بقلم منى لطفى ج٣

الحلقة الحادية عشر
(كبير العيلة (منى لطفي
صوت طرقات على الباب تعالت ليدخل بعدها رؤوف الى غرفة ابنتيه فيبصر سلمى تجلس في منتصف الفراش يحيط بها من الجانبين امها وأختها, بينما ترفع هي ركبتيها تحيطهما بذراعيها, نظرت ناحيته ليجد عينيها مليئة بدموع محبوسة وسط نظرات لوم وعتاب, تقدم اليها ووقف أمام الفراش يطالعها بنظرات أبوة حانية, ثم تحدث بصوت هاديء:
– معلهش ممكن تسيبوني مع بنتي الكبيرة لوحدنا شوية؟
نهضت سلافة مقبلة جبين أختها ونظرت الى والدها قبل أن تنصرف وكذلك فعلت ألفت التي ربتت على كتف سلمى, غادرت ألفت وسلافة التي أغلقت الباب خلفهما, تقدم رؤوف ليجلس على طرف الفراش بينما عدلت سلمى من جلستها, تحدث رؤوف بهدوئه المعهود قائلا:
– ممكن نتكلم بالراحه وبهدوء؟
أومأت سلمى بالايجاب وهمهمت بنعم, تنفس رؤوف عاليا وتابع:
– أول حاجة عاوزك تكوني متأكدة منها ان عمري ما هغصبك على شيء, بس في نفس الوقت ما يرضيكيش انه بعد العمر دا كله أطلع معرفتش أربي بناتي!
شهقت سلمى وهتفت باستنكار:
– لا يا بابا ما عاش اللي يقول على حضرتك كدا..
رؤوف بابتسامة صغيرة:
– وقوفك انهرده في وش جدك وعمك ورفضك لابن عمك بالاسلوب دا هيخليهوم يقولوا كدا وأكتر من كدا كمان, مش بس كدا.. أنا لولا اني حاولت أحتوي الموقف كان زمان أبويا زعلان مني, انتي مش عارفة يعني ايه تنتقدي تفكيرهم وعاداتهم؟, كأني بسخر منهم, بيكون فيه نوع من السخرية والتجريح أنا لا يمكن أسمح لنفسي ولا لكم بيه..
سلمى برجاء:
– يعني يا بابا يا أوافق على ابن عمي اللي انا مش مقتنعه بيه أصلا يا اما أبقى بنت عاقة؟, بابا شهاب مش متقدم لي عادي زي أي عريس .. لأ… السبب اللي عاوزيني أوافق عليه مش سبب أساسا وأرفض اني أكون محل شك, بابا حضرتك علمتنا انه طالما أنا صح يبقى ماليش دعوة مين بيقول ايه, وانا معملتش حاجة غلط, مش مشكلتي هما هنا بيفكروا ازاي ولا عوايدهم ايه, الحاجات دي مزروعة جواهم انا مش هربي مجتمع بحاله لكن في نفس الوقت أرفض اني أعيش حياتي بأسلوبهم, بابا أنا مش هفسد حياتي علشان خاطر فلان قال ايه ولا مين هيعمل ايه!…
رؤوف بجدية:
– خلصتي كلامك يا سلمى؟, ممكن تسمعيني بقه؟
تابع بدون أن ينتظر رد منها:
– شوفي يا سلمى انا زمان رفضت جوازة اتفرضت عليا علشان حبيت والدتك, وأول مرة أقولها اني كنت غلطان لما ما حاولتش مرة واتنين وتلاتة, ركبت دماغي والعناد خدني وسيبت اهلى وسافرت, انا مش بقول اني ندمان على جوازي من مامتك… لا طبعا, لو الزمان رجع بيا كنت مش هتجوز الا هي.. انا ندمي على الطريقة نفسها, كرهوا مراتي من قبل ما يشوفوها, عارفة لما بلاقيهم دلوقتي فرحانين بيها وأمي مش بتقولها غير يا بنتي وأشوف فرحتهم بيكم.. على أد فرحتي بكدا على أد ندمي اني حرمتكم من حضن العيلة, سلمى يا بنتي أنا عمري ما هعمل حاجة تكون مش في مصلحتكم, انتو ثروتي الحقيقية اللي طلعت بيها من الدنيا, لازم تكوني واثقة ومتأكده من كدا..
زحفت سلمى لترمي بنفسها بين أحضان والدها وقالت ودموعها تلمع مهددة بالسقوط:
– ربنا ما يحرمنا منك أبدا يا بابا, أنا عارفة ومتأكدة حضرتك بتحبنا أد ايه, وانت محرمتناش من حاجة أبدا, بالعكس كنت دايما لينا الأب والصديق والأخ, ربنا ما يحرمنا منك أبدا انت وماما…
أحاطها رؤوف بين ذراعيه وقبلها على جبينها ثم قال:
– طيب ممكن أسألك سؤال؟
رفعت نظراتها اليه وأجابت:
– اتفضل يا بابا.
رؤوف بهدوء:
– ممكن أعرف سبب رفضك لأبن عمك؟, وقبل أي كلام تاني عن اللي حصل.. ابن عمك صارحني تحت انه فعلا عاوز يخطبك, وكان ناوي يفاتحني أول ما ترجعوا من مصر, بس اللي حصل هو اللي قدّم المسألة شوية, وهو على فكرة متضايق انك تفتكري انه عاوز يتجوزك علشان كلام الناس ولا حاجة, هو قاللي بالحرف الواحد انا مش هلاقي زي سلمى بنت عمي.. هي دي الانسانة اللي أتمنى إني أكمل معاها مشوار حياتي..
سكتت سلمى مشدوهة, لم تستطع التعليق عمّا سمعته من والدها, أمعقول أن شهاب كان ينوي مفاتحة والدها في أمر ارتباطه بها؟, لا مؤكد هناك سببا آخر ولكن ترى.. ماهو؟
أيقظها والدها من شرودها قائلا:
– شوفي يا سلمى أنا مش هطلب منك غير حاجة واحده بس.. شهاب يبقى ابن عمك مهندس محترم واحنا عارفين أخلاقه كويس, ممكن تفكري فيه بعيد عن أي حاجات تانية؟, أنا مش هقولهم ردّك دلوقتي.. بس اوعديني انك تفكري بجدية وتصلّي استخارة, وفي وسط دا كله لازم تكوني عارفة اني هكون مطمّن عليكي وانتي معاه, ممكن؟
زفرت سلمى بيأس وأسدلت أهدابها وهي تتمتم بصوت خفيض:
– ممكن يا بابا, حاضر..
ثم نظرت اليه وهي تردف برجاء:
– بس ممكن محدش يضغط عليا؟, سيبوني أنا أوصل للقرار لوحدي, وأنا أوعد حضرتك انك هتكون مقتنع بيه..
زفر رؤوف براحة وأجاب:
– وانا موافق يا حبيبتي..
ثم قبل جبهتها ونهض وهو يقول:
– أسيبك دلوقتي ترتاحي شوية..
وانصرف تتابعه بعينيها حتى اذا ما أغلق الباب خلفه زفرت بيأس متمتمة:
– يا رب اتصرف ازاي انا دلوقتي؟, وتابعت بحنق:
– لا والاستاذ رايح يقول لبابا انه كان بيفكر فيا من زمان!, يعني عاوز يطلع هو الملاك اللي بجناحين وانا الشرير ولما أرفض يقول شوفتوا هي اللي ر افضة لو عليا أنا موافق!..

برقت عيناها ببريق التحد وقالت بعزم:
– طيب, ماشي يا باش مهندس.. بس ابقى افتكر انت اللي ابتديت, أما أشوف هتعمل ايه بعد ما تعرف ردي, بس مش معنى كدا اني هريحك خليك قلقان كدا كم يوم لغاية ما يجيلي مزاجي أقول رأيي؟!
وارتسمت ابتسامة مكر على كرز شفتيها وهي تتخيل منظر شهاب ما ان يسمع جوابها على طلبه!
******************
دلف رؤوف الى غرفته هو وألفت التي نهضت ما ان رأته, جلس رؤوف الى الصوفا الموضوعة تحت نافذة غرفتهما, تقدمت ألفت لتجلس بجواره فيما أسند رأسه الى الخلف زافرا بتعب, قالت ألفت باستفهام:
– عملت ايه يا رؤوف؟
نظر اليها رؤوف وأجاب بتعب:
– اتكلمت معاها, وربنا يهديها وتوافق…
نظرت ألفت الى زوجها بتقطيبة وصرحت بما يدور بخلدها:

– هو انت موافق يا رؤوف؟, ايش معنى شهاب يعني؟, ما سلافة رفضت غيث وانت سيبتها براحتها؟

تنهد رؤوف بعمق لينظر الى زوجه ويجيب بما يقلقه:
– اولا سلافة غير.. سلمى بنتك الوضع اللي هي فيه غير اختها ولو اني متأكد انه غيث مش هيقبل برفضها دا لكن مش موضوعنا دلوقتي, اهل البلد هنا عندهم عادتهم وتقاليدهم, ما ينفعش اقف في وش ابويا بعد العمر دا كله واقوله لا او معلهش يعني توز في العادات دي, بنتك مش عاوزة تسيب لي فرصة احلها بمعرفتي وقفت قودام الكل وقالت لا..
نظرت أليه ألفت لا تعلم لما يخالجها الشك ان هناك سبب آخر وراء سكوت رؤوف, تحدثت بما يجيش في نفسها من تساؤلات وقالت:
– مش عارفة ليه يا رؤوف حاسة انه فيه سبب تاني, ممكن تصارحني.. انت موافق على شهاب فعلا ولا علشان ما تزعلش والدك؟
نظر اليها رؤوف واعتدل في جلسته ملتفتا اليها وهتف:
– بصراحة آه, تقدري تقوليلي بنتك عندها كم سنة؟, 28 سنة, رفضت كم عريس لغاية دلوقتي؟ احنا مش عايشين لها هي واختها, ماله شهاب مهندس محترم وابن عمها وهيخاف عليها, بنتك لازم تفكر انه فرصها بتقل في الجواز كل ما بتكبر, ومن الاخر كدا كفاية اللي حصلها قبل كدا, انا مش مستعد اكرر حكاية اللي اسمه احمد دا تاني, كفاية اللي جرالها المرة الاولانية دي كانت هتروح من ايدينا, احنا جربنا اختيارها وشوفنا النتيجة خلِّيها هي بقه تجرّب توافق على اختيارنا احنا وانا متأكد انها مش هتندم..
ألفت بدهشة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى